القائمة الرئيسية

الصفحات

آخر الأخبار

تحديات متشابكة ترسم "ملامح الفوضى" القادمة في غرب إفريقيا‎

تحديات متشابكة ترسم "ملامح الفوضى" القادمة في غرب إفريقيا‎

 تحديات متشابكة ترسم "ملامح الفوضى" القادمة في غرب إفريقيا‎

أفادت ورقة بحثية بأن "منطقة غرب إفريقيا استطاعت، منذ القدوم الثاني لإفريقيا في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي، أن تقود تحول القارة نحو الديمقراطية، وترسم ملامح ما بات يعرف بالربيع الإفريقي أو التحرر الثاني؛ ولكن مع ذلك، فإن انقلاب مالي الذي أطاح بالرئيس إبراهيم كيتا، وأزمة الانتخابات الرئاسية في كلٍّ من غينيا وكوت ديفوار، وتصاعد حدة المواجهات الشبابية مع قوات الشرطة في نيجيريا قد تفضي جميعها إلى تراجع المكاسب الديمقراطية، وإضعاف الاستقرار والأمن في المنطقة".

وأوردت المقالة، المنشورة في مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، أن "الجهود الدولية استطاعت، من خلال بعثات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في كوت ديفوار وجمهورية الكونغو الديمقراطية وليبيريا وسيراليون، المساعدة في إنهاء الصراعات العنيفة التي ارتبطت أساسًا بفساد النخب الحاكمة، بحيث كانت الانتخابات أداة أساسية لجهود بناء السلام، والتحول نحو التعددية والانفتاح السياسي؛ وهو ما أدى إلى وجود قصص نجاح مثل غانا ونيجيريا، بيد أن الانتخابات -بالطبع- ليست سوى بداية لعملية ديمقراطية، فما يحدث بعدها هو الجزء الصعب".

بدايات خاطئة

وأبرزت الوثيقة أن "آفة الحكم في إفريقيا بعد الاستقلال هي البدايات الخاطئة، وعدم تعلم دروس التاريخ. كان الحلم الذي تصوره كوامي نكروما يتمثل في تحقيق المملكة السياسية، وأن يؤدي الاستقلال إلى فترة من التطور الاقتصادي السريع. توقعت النخب الإفريقية أنه مع فك قيود الإمبريالية، سوف يستطيع عملاق إفريقيا النائم توظيف إمكاناته الهائلة التي تم قمعها طيلة سنوات الحكم الاستعماري، على أن هذه الآمال لم تتحقق".

واستطردت: "انقسمت النخب المثقفة الإفريقية بين تيارات أيديولوجية وافدة لا تعبر عن الأصالة الحضارية الإفريقية. على سبيل المثال، كان علي مزروعي في كتاباته المبكرة مناهضًا للإمبريالية ومعاديًا للاستعمار بشدة؛ إلا أن رفضه للرأسمالية لم يكن حاسمًا، فقد صورها -وإن كانت أم الإمبريالية- على أنها أساس الديمقراطية الليبرالية، بمعنى التعددية والمجتمع المنفتح والحريات المدنية. كانت لدى مزروعي مشاعر مختلطة حول الديمقراطية الليبرالية. كما رأى مزروعي كذلك أن الماركسية في إفريقيا تشكل تهديدًا للأصالة الفكرية لإفريقيا".

وأردف الكاتب: "وبما أن المادية التاريخية هي نظام فكري كامل وليست مجرد دليل للسياسات الاجتماعية، فإن الماركسية نفسها، من وجهة نظر مزروعي، كانت شكلًا من أشكال التبعية الفكرية بين الأفارقة المتغربين. لم يقف الأمر عند هذا الحد، حيث جادل مزروعي بأن الماركسية الإفريقية تمثل "تغريبًا مزدوجًا"، وأنه كان من المستحيل أن يكون الإفريقي ماركسيًّا متطورًا دون أن يكون -في الوقت نفسه- شديد التغريب. وخلاصة الأمر بالنسبة لمزروعي، فإن الماركسي الإفريقي ليس متمردًا ضد الهيمنة الفكرية الغربية، بل هو ضحية لتلك الهيمنة".

ويتكرر الجدل الإفريقي اليوم في ظل جائحة (كوفيد-19) حول جدوى الإصلاح السياسي والسياسات النيوليبرالية التي تم تبنيها في أعقاب مرحلة القدوم الثاني لإفريقيا، حسب المركز، حيث ثمة حركات احتجاجات جماهرية يقودها الشباب في مالي وغينيا وكوت ديفوار ونيجيريا. وحتى لو لم تكن هناك ثورات وشيكة في المنطقة، فستكون هناك بالتأكيد عواقب انتخابية.

وهْم الديمقراطية المستعارة

وأكد المصدر البحثي أن "التلاعب بنتائج الانتخابات وعدم احترام القيود الدستورية التي تحدد ولاية الرئيس بفترتين أصبح أحد مظاهر التراجع الديمقراطي في غرب إفريقيا. لقد سعى رئيسا كوت ديفوار الحسن وتارا (78 عامًا)، وغينيا ألفا كوندي (82 عاما) إلى ولاية ثالثة، بعد تمكنهما من تعديل الدستور في استفتاء شعبي. وعلى الرغم من أن الانتخابات تُجرى بشكل ثابت في جميع أنحاء المنطقة، فإن مثل هذه التحركات والمناورات السياسية، إلى جانب محاولات الحكومات لخنق المعارضة السياسية، تجعل العديد من مواطني غرب إفريقيا يفقدون الثقة في صندوق الاقتراع كوسيلة لمحاسبة القادة وربما يلجؤون إلى العنف".

ولا يخفى أن الشكاوى من افتقار الانتخابات التشريعية في مالي في مارس 2020 إلى المصداقية كان أحد العوامل وراء الانقلاب الذي أطاح بحكم الرئيس إبراهيم كيتا، كما أن العبث بقيود الفترة الزمنية الخاصة بالولاية الرئاسية يمكن أن يؤدي أيضًا إلى عدم الاستقرار. لقد أظهرت منطقة غرب إفريقيا بالفعل في عام 2019 أكبر انخفاض في معدلات الحقوق السياسية والحريات المدنية على مستوى العالم، وفقًا لمنظمة الرقابة الأمريكية "فريدوم هاوس"، التي استشهدت بالانتخابات المعيبة في السنغال ونيجيريا والقمع السياسي في بنين"، تبعا للمقالة.

ثنائية "داعش" و"القاعدة"

يبدو أن تنظيم "داعش" أو ما يعرف باسم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى يخسر لصالح جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بـ"القاعدة"، حيث يخوض كلا الطرفين معركة تكسير عظام من أجل الهيمنة في منطقة الساحل وغرب إفريقيا، يشير إلى ذلك المركز البحثي، الذي أوضح أن الانقسام والاحتراب العنيف ظهر بين تنظيمي "داعش" و"القاعدة" في أواخر عام 2019، وذلك بعد سنوات من التعايش وربما التنسيق المشترك في مسرح العمليات الإرهابية. وقد اشتد القتال منذ ذلك الحين، وأوقعت كل مجموعة إصابات وخسائر جسيمة لدى الطرف الآخر.

وحسب المقالة، فإن فصيلَيْ "داعش" (في غرب إفريقيا والصحراء الكبرى) سوف يعززان من قوتهما في العام المقبل، سواء من خلال التنسيق أو تشكيل منطقة عمليات مشتركة عبر جنوب النيجر؛ ولكن وحشية هجمات "داعش" قد تُفضي إلى تآكل سيطرتها الإقليمية في بحيرة تشاد بسبب ابتعادها عن جهود كسب الشعبي. ومن جهة أخرى، سوف تحتفظ جماعة نصرة الإسلام والمسلمين بمعقلها في منطقة الساحل على الرغم من الخسائر التي تكبدتها.

وسوف تستفيد من تراجع الجهود الدولية لمكافحة الإرهاب والأزمة السياسية التي تعصف بدول غرب إفريقيا (مالي - غينيا كوت ديفوار)، وهو ما يعني توجيه قوات الأمن نحو العارضة السياسية. ومن المرجّح في ظل هذه الأوضاع السياسية المضطربة وتراجع الجهود الدولية بسبب جائحة (كوفيد-19)، أن تسعى جماعة نصرة الإسلام والمسلمين إلى ترسيخ أقدامها في مجتمعات شمال ووسط مالي، ومن المرجح أن تبدأ في إنشاء مؤسسات للحكم، مثل: المحاكم الشرعية، وديوان الحسبة، في الفترة القصيرة المقبلة.

تداعيات "كوفيد-19"

طبقًا لتقرير محمد بن شمباس، الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في منطقة غرب إفريقيا ومنطقة الساحل فإن جائحة "كوفيد-19" سوف تؤدي إلى تفاقم دوافع الصراع الموجودة مسبقًا مع إمكانيات حدوث تداعيات خطيرة على السلام والأمن في غرب إفريقيا والساحل.

والمشهد السياسي بالغ التعقيد والتشابك، حيث إن الدول ضعيفة، وهناك فجوة عميقة بين المجتمعات الإفريقية وأنظمتها السياسية. ليس من المهم أن تكون الأنظمة السياسية بقيادة مدنية أو عسكرية لأن كل طرف يحاول تطبيق أجندات إصلاحية نيوليبرالية تلبي المطالب الغربية. لقد أدت الجائحة إلى تفاقم الاضطرابات في غرب إفريقيا، حيث خفضت المنظمات الدولية مساعداتها. كما أن الضغوط الاقتصادية التي عانت منها الدول المانحة جعلتها غير قادرة على مساعدة المنطقة مع استمرار الخلاف بين القوى العالمية الكبرى على القيادة المستقبلية.

وتبعا للورقة دائما، فإن تأثير "كوفيد-19" على القوى الخارجية الفاعلة في المنطقة (فرنسا، والدول الأوروبية، والولايات المتحدة) سيؤدي إلى صعود الحركات الاجتماعية المناهضة للغرب، والتي تطالب بتغييرات جذرية من جهة، وعودة ظهور الجماعات المسلحة وانهيار الأنظمة الحاكمة من جهة أخرى. كما أنّ خطة تقليص الوجود العسكري الأمريكي في إفريقيا سوف تؤدي إلى تقويض قدرة السيطرة الفرنسية في المنطقة.

زيادة الكوارث الطبيعية

لعل أبرز الاتجاهات العامة تتمثل في أن الكوارث الناجمة عن المخاطر الطبيعية قد ازدادت حدتها في منطقة غرب إفريقيا، ولا سيما في منطقة الساحل، على مدى العقود الثلاثة الماضية. إن الأزمة الإنسانية في منطقة الساحل، الناجمة عن تغير المناخ والتصحر وانعدام الأمن الغذائي وانتشار الأمراض مثل الملاريا والتهاب السحايا والحصبة، تؤثر الآن بشدة على أجزاء من بوركينافاسو وتشاد ومالي وموريتانيا والنيجر ونيجيريا والسنغال، وفقاً للمركز.

وعلى الرغم من تسجيل 154 كارثة في السنوات الخمس الأولى من هذا العقد مقارنة بـ136 كارثة خلال العقدين الماضيين، فإن هذه الزيادة يمكن أن تُعزى إلى عاملين رئيسيين، هما:

1- الاتجاه السلبي لتغير المناخ الذي يؤدي إلى زيادة مدة الجفاف، والفيضانات والمجاعة وغزو الجراد وفشل المحاصيل والأعاصير المدارية وفيضان الشواطئ في المناطق الساحلية بسبب ارتفاع مستوى سطح البحر.

2ـ مطالب النمو السكاني والتحضر السريع الذي يؤدي إلى استنزاف الموارد الطبيعية وتدهور البيئة (إزالة الغابات، والرعي الجائر، والتلوث)، وبالتالي خلق مساحة لتآكل التربة والتصحر والأمراض الوبائية. ومما لا شك فيه أن الآثار البشرية والبيئية والمادية لهذه الكوارث قد ازدادت بشكل كبير، مما يشير إلى زيادة مقابلة في ضعف الأمن الإنساني في المنطقة. من اللافت، على سبيل المثال، أن لاغوس، التي تحتضن نحو 60 في المائة من الصناعات في نيجيريا، مصنفة كواحدة من أكثر 20 مدينة عرضة للخطر في العالم.


reaction:

تعليقات

تارودانت بريس 24 جميع الحقوق محفوظة © 2021 Taroudantpress