القائمة الرئيسية

الصفحات
















سيرة "فرويد" على "نتفليكس" .. الهستيريا والكذب وجهان لعملة واحدة

سيرة "فرويد" على "نتفليكس" .. الهستيريا والكذب وجهان لعملة واحدة

سيرة "فرويد" على "نتفليكس" .. الهستيريا والكذب وجهان لعملة واحدة

بندول سيغموند فرويد يُحْدث صدمة معرفية وهو يتحرك ليستخرج من دهاليز لا وعي الفرد ما لم يجرؤ هذا على تسميته (سلسلة نتفليكس إخراج مارفن كرين 2020)، من تلك الدهاليز والأقبية سيخرج تنين اللاوعي الذي سيؤثر على الفلسفة والأدب والسينما.
يركز الموسم الأول من السلسلة الذي يجري في نهاية القرن التاسع عشر على نقد ودحض مناهج العلاج السائدة، ويعرض بديلا هو التنويم المغناطيسي لعلاج الهستيريا. يقدم نظرة نقدية لمناهج التعليم الدوغمائية للمحللين التقليديين الذين ترعبهم التجريبية وهم يعتبرون "الهستيريا والكذب وجهان لعملة واحدة".
يبالغ الطلبة الأطباء في مدح أساتذتهم المشرفين على أبحاثهم لضمان مستقبلهم، بينما يقوم فرويد المتمرد بمناقشة مدير المستشفى، يعارض أساليبه العنيفة التي يسميها علاجا. يطرد المديرُ فرويد ويحتفظ بالأطباء الخانعين. لاحقا يفعل المدير ما يريد، ثم يغضب لأن هؤلاء الأطباء مجرد منفذين.
لا تظهر البكتيريا للعين المجردة، وكذلك مجاهيل النفس الإنسانية التي تحتاج بحثا وحفرا لاكتشافها، عمل على تحرير المعرفة العلمية من الشعوذة، لذا كان له أعداء كثيرون.
كان المنهج الجديد للتحليل النفسي يلقى معارضة شديدة، ليس فقط بسبب العناد والتنافس بين الزملاء، بل لأنه كان يهدد بكشف حقائق تضر أصحابها. ما كان يبدو كلعبة مثيرة للسخرية صار نهجا خطرا للذين تعودوا على النسيان أو التناسي، لقد جاء فرويد ليفحص ماضيهم الأليم وينكأ جراحهم المكبوتة. كان ذلك نهج فرويد حين ربط الهستيريا بالحياة النفسية – الجنسية الحميمة للمرضى.
اتهِم فرويد بالمبالغة في تقدير تأثير الأعضاء التناسلية، وقد عكس الإخراج هذا الاتهام. تقدم الكاميرا وصفا يكشف النفسيات... كانت الكاميرا قادرة على التعبير عن السيرورات النفسية من قبيل الدوار والغموض والسوداوية والغواية والرغبة والنرجسية... تتوازى متاهات الأمكنة ومتاهات النفس البشرية في سلسلة من ثماني حلقات تمتد 440 دقيقة. يحصل أن تكون سلسلة متفوقة على أفلام سينمائية كثيرة. الحلقة الخامسة تحفة بصرية. كان الشريط الصوتي للسلسلة في حد ذاته عملا إبداعيا كبيرا متنوعا خصبا غنيا بالمعلومات.
كان هناك منهج تقليدي يعالج الجسد لتصحّ النفس، يوظف أساطير ومومياء مصرية رعبا من الموت واستحضار أرواح ومسارات سرية للتأثير في أشخاص غير مستقرين نفسيا.
ثم جاء فرويد بحزمة مفاهيم: هستيريا، صدمة نفسية، سير أثناء النوم، طوطم وطابو، رغبة، انتكاس، تطهير واعتبر الوعي شمعة وحيدة في بيت مظلم. شمعة لا يمكن لها إضاءة كل البيت، لذا يسود الظلام منطقة كبيرة هي منطقة اللاوعي أو اللاشعور. لقد فتح فرويد بابا في الظلام... يكمن نضال الفرد في الخروج من هذه العتمة... بالبحث عن الأجوبة في اللاوعي (العقل الباطن) وليس في الدماغ والعقل.
لقد تعامل فرويد مع الوحش الراقد بداخلنا بطريقة جديدة، فبدل الاستكانة إلى النظريات القديمة انطلق يبحث بشكل تجريبي، يستقرئ الوقائع، يصغي لمن حوله... تبرهن التجارب على صحة طرحه، وبذلك يفند ادعاءات منافسيه.
كانت تجارب فرويد تعطي نتائج يسهل تعميم الحكم بها، بينما كان خصومه يخلطون بين العلاج والتعذيب، يعاملون المرضى عضليا، يستحضرون الأرواح ويقدمون تفسيرات تقليدية جاهزة ومتجاوزة.
أكد أن الخلل في النفسية وليس في أي عضو في الجسد، بل الخلل في النفس. هكذا أجهز فرويد على المناهج النفسية العتيقة التي جربت طويلا وأثبتت فشلها.
اقترح فرويد (1856-1939) منهجا بديلا لكشف الهستيريا وإضاءة ما يغلي في أعماق النفس. فعل ذلك وهو اليهودي في مجتمع فينيا المشبع بالعنصرية، هناك حيث كانت بذور النازية تنمو... تحتقر المشعوذ اليهودي الذي كان يكره القبعة فوق رأسه يوم "شبات شالوم".
كان فرويد يريد أن يكتشف أراض مجهولة ويريد أن يعالج ويصير شهيرا، انتهى الموسم الأول بإثبات الطبيب النفسي لكفاءته وقد أشرقت شمسه وغيّر العالم. لقد انتصر فرويد على ما قبله، ونشر عمله موجة شك غذت عمل كارل ماركس وتشارلز داروين. وقد كتب ميشيل فوكو عن الثلاثة باعتبارهم أساتذة الشك الذين غيروا مسار التفكير في الإنسان.
تقوم السلسلة على حِبكة مزدوجة: محقق بوليسي ومحقق نفسي على نفس الخط... أحدهما مسلح بمسدس والآخر مسلح بحقنة وبمفاهيم عميقة وهما يطاردان مصابين بالهستيريا ضمن نخبة الامبراطورية.
لكي لا تغرق السلسلة في ملل التحليل والثرثرة السيكولوجية، يتزامن بحث فرويد ويستمر بموازاة بحث بوليسي. في نقطة تلاقي يقول المحقق للمحلل النفسي: "يا فرويد، ستشرق شمسك يوما".
يعرّي بحثا المحلل والمحقق أرستوقراطية إمبراطورية آل هابسبورغ المتهتكة التي ترعبها الليبرالية السياسية. ينص الدستور على أن القانون يطبق على الجميع، لكن المحقق لا يستطيع اعتقال ضابط بناء على شهادة عاهرة رأته يقتل. لماذا لا يمكن تطبيق القانون في جميع الحالات؟
يجيب المحقق "السمكة تفسد من رأسها"، هذا قانون الطبيعة. من يستطيع أن يقول العكس... ضباط الامبراطور لا ينطبق عليهم قانون الإمبراطور.
لربط التجديد المنهجي ودعمه بالتجديد السياسي يرافع فرويد من أجل منهجه أمام الإمبراطور، يتحدث عن ثورة معرفية تاريخية وعن إعادة تنظيم شاملة. استخدم المخرج مصطلح الثورة وإعادة التنظيم لشرح سياق القرن التاسع عشر بكامله ليصاب الإمبراطور النمساوي بالهلع من كلام اليهودي.
فمصطلح "إعادة تنظيم" مأخوذ من معاهدة فيينا في 1815، التي استهدفت كسر أحلام الشعوب الأوروبية التي أشعلتها الثورة الفرنسية. وتنص معاهدة فيينا على أن يكون ذلك تحت ظل الملكيات الكبيرة الأربع: النمسا وروسيا القيصرية وبروسيا وبريطانيا.
للإشارة، عقدت الدول المنتصرة على نابليون بونابرت مؤتمر فيينا ونصت قراراته من جهة أولى على إعلان حرب لا هوادة فيها ضد الأفكار التحررية والمطامح القومية التي نادت بها الثورة الفرنسية. ومن جهة ثانية، الدفاع عن شرعية الملوك والأمراء المخلوعين أيام الثورة الفرنسية، بل على إرجاعهم إلى عروشهم رغما عن الشعوب... وتطبيق إجراءات حكم مطلق يعمل على محو كل ما زرعته الثورة الفرنسية من أفكار تحررية.
لقد صمد كل ما حاولت ثورة الشعوب الإطاحة به في 1848. صمد حتى الحرب العالمية الأولى.
هكذا تلخص السلسلة منهج القرن التاسع عشر وتفتح الباب لثورات القرن العشرين.
هكذا استثمر المخرج سيرة المحلل النفسي ضمن السياق التاريخي في منعطف القرنين ليعمق جاذبية السلسلة المشبعة بالمعرفة. وقد كانت هذه السلسلة ضرورية أولا لرفع سقف المنافسة في وجه مسلسلات عاطفية تقدم بطلة جميلة لديها ثلاثة عشاق أغنياء يتنافسون لإرضائها، كما في جل المسلسلات التركية. وثانيا، لأنه ظهر فيلم دافيد غرونينبرغ "A Dangerous Method" (2011) الذي يشرح منهج منافس فرويد وهو كارل غوستاف يونغ. الآن لدينا فيلم وسلسلة لمقارنة يونغ وفرويد، وهكذا تدخل السلسلة في سلالة أفلام سينمائية كبيرة استثمرت التحليل النفسي.
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات