القائمة الرئيسية

الصفحات















آخر الأخبار

عصيد: مشكلة حميش مع الأمازيغية تنغمس في "المواقف الشخصية"




عصيد: مشكلة حميش مع الأمازيغية تنغمس في "المواقف الشخصية"

قال أحمد عصيد، باحث في الثقافة الأمازيغية فاعل حقوقي، إن مشكلة وزير الثقافة السابق بنسالم حميش، مع الأمازيغية، لا تتعدى في الحقيقة حيز المشكل الشخصي، فهو يرى أن التنوع اللغوي والثقافي يُشكل تهديدا حقيقيا لوحدة البلاد وانسجامها، وأنه "مؤامرة" آتية من الخارج لإضعافنا ولخلق ما سماه الأستاذ "البعثرة والتفكيك".


وأضاف عصيد، في "رد لطيف" كما أسماه، توصلت به جريدة هسبريس الإلكترونية، أنه بعد 63 سنة من سياسة التعريب، يطالب الرجل الأمازيغ بالتحدث إلى أنفسهم فقط، بينما المهمة أيضا أن نخاطب أمثال السيد حميش بلغتهم رحمة بهم، وهم الذين لا يفقهون شيئا في اللغة الأصلية الأولى الأكثر عراقة بشمال إفريقيا.


إليكم المقالة كاملة:


"من شأن الاكتشافات الجديدة أن تنقض دائما النظريات السابقة حتما، والتي انتهى إليها الباحثون بطبيعة أبحاثهم" - شارل أندري جوليان.


لست أدري وأنا أقرأ مقالة السيد بنسالم حميش حول "جذور القرابة بين العربية والأمازيغية"، لماذا تذكرتُ "غزوته" الغريبة وغير المبرّرة، ضدّ الراحل محمد أركون، الذي قام بجلده في قبره ذات يوم، في نزوة أثارت استغراب المشتغلين بالفلسفة آنذاك، وما لم نفهمه وقتئذ هو أن السيد حميش يقع بين الفينة والأخرى ضحية انفعالات ظرفية، سرعان ما يُحوّلها إلى مواقف تبعده عن جادة الصواب، وتحجُب عنه رؤية موطئ قدميه.


وجدَنا الأستاذ مهمومين منشغلين بمصير بلدنا في عزّ أزماته الخانقة، التي فاقمها وباءٌ لا يبدو أنه قد أنسى الرجلَ أحقاده القديمة. فلنبدأ من البداية، وربّ ضارة نافعة.


أسباب النزول:


أولا أستسمح القراء في أن أخبرهم بأن هذا النقاش مع أستاذنا العزيز سّي حميش نقاش متقادم مكرور، جرى بيننا لأكثر من مرة على صفحات الجرائد وفي وسائل الإعلام والندوات الفكرية قبل سنوات طويلة، ولم أعُد متحمسا للخوض فيه لولا إلحاح الناس، وسبب ذلك أن أستاذنا ما زال يعتمد نفس أسلوب التفكير بل ونفس العبارات التي استعملت قبل عشرين سنة من هذا التاريخ .


إنه نقاش سبعيني ثمانيني بامتياز، امتدت أصداؤه إلى عتبات الألفية الثالثة 2000 - 2003، وإذا كان السيد حميش يُصرّ على الاستمرار فيه ونحن في سنة 2020، فبسبب عدم رغبته في استيعاب التحولات التي عرفها هذا الموضوع منذ بدء مسلسل مأسسة الأمازيغية وتهيئتها، حيث يفضل مثل الدعاة السلفيين تماما، التغاضي عن التحولات المحيطة بنا، أو لنقل إنه يجسّد المثل المغربي الدارج: "الراجل هو اللي يبقى في كلمتو"، والذي يقابله عند العامة "الراس للي ما يدور كدية"، لكن في جميع الأحوال، يبدو أنه من البديهي أن من لم ينخرط في تحولات عصره لن يستطيع المشاركة في بناء المستقبل.


في جريدة الأحداث المغربية وبتاريخ 28 فبراير 2003، كنتُ قد وجهت رسالة ثانية مفتوحة إلى الأستاذ حميش، الذي نشر مقالا يحتجّ فيه على استعمال كلمة أمازيغ عوض "بربر" و"برابرة" التي اعتبرها التسمية "الأصحّ"، والتي على الأمازيغ أن يتقبلوها في رأيه ما دامت هناك شعوب كثيرة تتقبل أسماء قدحية سُميت بها (كذا!)، ولأن كلمة "بربر" أطلقت على الأمازيغ من طرف الأجانب، فواضح أنّ الأستاذ اختار أن يقف في صفّ الأجنبي في مقابل سكان بلده، وهذا اختياره الذي يجب أن نحترمه، لأن كل واحد يختار الموقع الذي يشعر فيه بالطمأنينة والسعادة.


وحتى نضع الأمور في سياقها التاريخي علينا التذكير بأن موقف الأستاذ المذكور من التسمية كان تعقيبا منه على قرار الدولة، التي أعلنت رسميا آنذاك "المصالحة الوطنية" بعد انتقال العرش، والتي من بين عناصرها المصالحة الثقافية والهوياتية، فكان "خطاب أجدير"، وكان أن استعمل الملك محمد السادس لأول مرة من موقع رئاسة الدولة، كلمة "أمازيغية". فمع تغيير السياسة جاء تغيير التسمية، ففي عهد الملك الراحل الحسن الثاني كانت سياسة الإقصاء منسجمة تماما مع معجم الوصاية الأجنبية (البربر ـ اللهجات)، وعندما صارت السياسة وطنية منطلقها الذات، تغير المعجم، ويظهر هذا خطورة التسمية التي ليست أبدا مجرد إلصاق كلمات بأشياء، بل هي تعبير عن تصور ورؤية وحكم على الشيء الذي نسميه وعلى قيمته.


جاء في مطلع رسالتي الثانية المذكورة إلى الأستاذ حميش ما يلي:


"لم أكن أقصد برسالتي التي وجهتها إليكم عبر جريدة "الأحداث المغربية" الإساءة لشخصكم، لا بوصفكم مثقفا ومبدعا، ولا باعتباركم مناضلا حزبيا، إذ بيني وبينكم خصومة فكرية لا شخصية، وإنما كنت أنوي توجيه النقد لأفكاركم التي اقترحتموها في موضوع الأمازيغية، والتي بدت لي خارج السياق الحالي الذي يجتازه المغرب، كما أنها تمسّ في الصميم بهوية المغاربة وكرامتهم، وكان قصدي أيضا من وراء ذلك لفتُ انتباهكم، وأنظار بعض أعضاء النخبة المغربية الذين يشاطرونكم نفس وجهات النظر، إلى أن ما عبّرتم عنه لا يحمل أية قيمة مضافة بالنسبة لما يتأسس في مغرب يتجه بإرادة وإصرار نحو حلّ مشاكله وتدبير أزماته المتفاقمة، بروية وحكمة، بعيدا عن مزالق الفتنة ومطباتها". وما أشبه اليوم بالأمس.


غير أنني وأنا أعود إلى هذا النوع من النقاش، سأتجنب كليا اللمز في شخص أستاذنا أو الإساءة إليه بغليظ الكلام كما فعل، لأنني ـ علاوة على أن ذلك ليس هدفا نبيلا ـ ليس لي أية حسابات شخصية مع السيد حميش ولا أكنّ له أية ضغينة.


من آيات التقادم استمرار الأستاذ في الحديث عن "أصول السكان" و"أعراقهم"، وعن حرف كتابة الأمازيغية، ولجوؤه إلى بعض مؤلفات القوميين المتشدّدين التي هي بمثابة تراث ميّت في معظمه، وحديثه عن الأمازيغية كما لو أنها ما زالت خارج أي اعتراف رسمي أو مسلسل مؤسساتي، بينما هي اليوم قضية دستورية لم يعد جائزا نسبتها إلى شخص أو حركة أو اعتبارها ذريعة لتصفية حسابات من أي نوع، لأنها قضية لا تنفصل عن قضايا الانتقال نحو الديمقراطية، وليست بذات صلة بمشاعر شخص أو حالاته النفسية.


إن الموضوعية والنزاهة الفكرية تقتضيان النظر في كل ما يجري من تمظهرات الفعل السياسي والثقافي التي يُعبر عنها النقاش العمومي في بلدنا، وأعتقد أنه ليس من المصداقية في شيء أن يتحدث المرء عن قضايا آنية من خلال الهروب إلى أمور لم يعُد لها وجود اليوم، حيث طواها الزمن بسبب زوال أسبابها أو سياقاتها.


ولعل واجب الأستاذ الذي كان في يوم ما أستاذ فلسفة بالجامعة ـ عوض أن يتهجم على الأشخاص وينعتهم بنعوت مشينة ـ أن يطرح السؤال عن الأسباب التي جعلت مثلا استمرار بعض النقاشات لدى المواطنين مع قدر من العنف اللفظي (الذي وقع فيه الأستاذ نفسه) يطغى على الفكر بعد تعديل الدستور سنة 2011، مما حال دون أن يتجه النقاش وجهة علمية بهدف تدقيق أساليب أجرأة وتنفيذ مكتسبات ذلك الدستور، وألقى به عكس ذلك نحو مزيد من التصعيد. وأحيل السيد حميش على مقالي التحليلي المعنون بـ"الأسباب الخمسة لعودة الصراع حول الهوية بعد أن حسم فيها الدستور" المنشور في الصحف والمواقع الإلكترونية المغربية، فلعله وجد فيه ما يشفي الغليل في هذا الباب، كما سيجد فيه كل العوامل التي ساهمت في تزايد التوترات والسجالات بين الأطراف المختلفة، والتي أبرزها استمرار عقليات ما قبل دستور 2011، وعدم وفاء الدولة بالتزاماتها الدستورية في مختلف القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية.


ما هي مشكلة السيد حميش تحديدا مع الأمازيغ والأمازيغية؟ إنها في الحقيقة لا تتعدى حيز المشكل الشخصي، فهو يرى أن التنوع اللغوي والثقافي يُشكل تهديدا حقيقيا لوحدة البلاد وانسجامها، وأنه "مؤامرة" آتية من الخارج لإضعافنا ولخلق ما سماه الأستاذ "البعثرة والتفكيك"، وهذه الفورة من المشاعر مصدرُها وطنية الأستاذ وغيرته على وحدتنا، وهي نفس الغيرة التي وُجدت من قبل لدى الوطنيين الأوائل الذين تماهوا مع نموذج الدولة الوطنية المتمركز، ووجدوا ضالتهم في اليعقوبية الفرنسية التي تعتبر التنوع إضعافا لقوة الدولة، فجعلوا العربية لغة وحيدة للدولة، والعروبة هوية خالصة ماحقة، والإسلام دينا وحيدا والمالكية مذهبا أوحدا والأشعرية اختيارا كلاميا فريدا والجُنيد نبعا يتيما للتصوف والعرفان الصوفي، وقد قرروا ذلك في بلد يطبعه التنوع الشديد منذ آلاف السنين.


ولعل هذا النهج كان له ما يُبرره في العقود الأولى التي تلت استقلال البلاد بسبب حاجة الدولة إلى اكتساب القوة الضرورية لكي تستطيع لمّ شتات الجهات والقبائل والأصول والألوان واللغات، لكنه نزوع سرعان ما اقترن برغبة أكيدة في ترسيخ الاستبداد، فصار آلية من آليات تجميد النسق السياسي وإغلاقه. لكن الدولة المغربية شعورا منها بإكراهات الزمن والتاريخ والجوار الإقليمي والدولي، والضغط الداخلي من القوى المدنية والسياسية، وبمسؤوليتها الجسيمة في تدبير تنوعها الخلاق تدبيرا عقلانيا متوازنا، كانت ملزمة بالتطوير التدريجي لنموذجها بالانتقال السلس من الأحادية الاختزالية إلى إقرار التعددية والتنوع دستوريا سواء في اللغة أو الهوية، ما أدى إلى حدوث نوع من الانسداد النفسي والذهني، Blocage psychologiqueلدى العديد من المثقفين حيث ظلوا عند فكرتهم القديمة في الوقت الذي تطورت فيه الأحداث في اتجاه آخر، فصار بعضهم أشبه بـ"أهل الكهف"، الذين استفاقوا بعد مئات السنين ليجدوا عالما آخر لا يعرفون كيف يواجهونه، ويجدوا بحوزتهم عملة متقادمة لم تعُد تصلح لشيء.


إن الفكرة التي ظلّ السيد حميش محتفظا بها حتى الآن والتي تعوقه عن التفكير الموضوعي هي فكرة الدولة الوطنية المركزية في نموذجها التقليدي، الذي أنجب لنا في فترة ما مثقفين لا يفكرون إلا في إطار وعي تنميطي ينشدُ التجانس المطلق، لكنه لم يعُد يكفي لتفسير التحولات المتلاحقة.


وعلى ذكر هذه الفكرة، أودّ أن أشدّد على مبدأ جوهري يُشكل عاصما للذهن من الجمود والتكلس، وهو المبدأ القائل: "إن كل فكرة لم تعُد تكفي لتفسير ما يجري في الواقع هي فكرة ميتة أو منهكة، ينبغي تجاوزها وابتكار فكر جديد بمفاهيم جديدة"، نقول هذا للفقهاء والمحافظين، كما نقوله لبعض مثقفينا الذين ينتمون عمليا من خلال مواقفهم إلى التيار المحافظ.


بعد 63 سنة من التعريب الإيديولوجي، أمية في الأمازيغية:


على ضوء ما ذكرناه أعلاه، طلب مني الأستاذ حميش في ما يشبه التحدي أن أقوم بـ"تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية" بشكل شخصي، رغم أنه من المضحك أن يتحدّى المرء غيره في مجال اختصاصه، إذ أن مهنتي اليومية في مؤسسة أكاديمية هي جمع وتدوين التراث الأدبي الشفوي وقراءة وتصحيح النصوص المكتوبة بالأمازيغية وبحرف تفينياغ العريق وإعدادها للنشر، في صيغة أنطولوجيات للأدب تدعم تدريس اللغة، وكذا تشجيع الأدباء الشباب على نشر إبداعاتهم بوصفهم يمثلون مستقبل اللغة الأمازيغية، فالسيد حميش ما زال لا يعرف ربما بأن الأمازيغية قد انتقلت من الهامش المنسي إلى لغة الدولة والمدرسة، وأنها قد صارت لها قواعد إملاء وصرف ونحو وتركيب مُمعيرة ومعاجم متخصصة، وبسبب الانفعال والتوتر النفسي ربما ـ الذي انعكس على أسلوبه في التعبير ـ


لم ينتبه السيد حميش كعادته إلى أنه يضع شخصه في موقع لا يُحسد عليه، فهو يطالب غيره بالكتابة بلغة وحرف لا يفهمهما، رغم أنهما يتعلقان بلغة رسمية، أي لغة الدولة والمؤسسات، في الوقت الذي يهدف فيه النقاش العمومي إلى التفاهم والتبادل، ما يعني أننا في حالة ما إذا وجهنا للسيد حميش نصا بالأمازيغية سيضطر إلى البحث عمن يقرأه له ويشرحه، تماما كما يفعل جميع الأميين في بلدنا، ذلك أن من بين تعريفات الأمية كما يعلم الجميع، أنها عدم القدرة على القراءة والكتابة باللغة الرسمية، أي لغة المؤسسات المعتمدة في المدرسة، وهذا يُعلمنا أنه لا جدوى من مخاطبة شخص ما بلغة لا يعرفها، ويجعل بعض نخبنا تدرك المعاناة التي عاشتها الفئات الشعبية في البوادي والحواضر مع من يخاطبهم أو يكاتبهم بلغة لا يعرفونها.


ومن المعلوم أنه عندما يتم إقرار لغة ما دستوريا، سيكون متعذرا التفاهم بها مباشرة بدون تعميم تدريسها وإكسابها للأجيال المتعاقبة، واعتمادها في وسائل الإعلام وتحسيس المجتمع بأهميتها، وهذا ما تم بالنسبة للعربية منذ الاستقلال، ولكنه لم يكن من حظ الأمازيغية حتى الآن للأسف، لأسباب منها استمرار عقليات لا تعترف بالدستور ولا بالمكتوب أصلا.


لقد كتب السيد حميش في مقالته الهجائية معبرا عن استغرابه من استعمالي للغة العربية وعدم كتابتي بالأمازيغة، والحقيقة أن العجب العُجاب هو استغرابه من أمر بديهي تماما، فالعربية أولا لغتي كما هي الأمازيغية لغتي الأصلية، وقد كتبتُ الشعر بهما معا منذ سنّ الرابعة عشرة، ونظمت الشعر العربي على بحور الخليل التقليدية جميعها، وكنت أجدُ في ذلك يُسرا عجيبا، كما كتبتُ قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر، وفي ما بين 1979 و1992 نشرتُ 32 نصا شعريا بالعربية في الملاحق الثقافية للصحف المغربية وحتى في مجلات شرقية كـ"الثقافة" العراقية و"المعرفة" السورية، أما في الأمازيغية فقد حاورت 168 شاعرا في فنّ "أنعيبار" العريق والصعب على مدى 41 سنة، هذا غير القصائد التي لا تعدّ ولا تحصى. فكتابة الشعر بلغة ما هي غاية العشق لهذه اللغة، ولا يُشوش على ذلك العشق إلا الإيديولوجيات الإقصائية التي ترمي إلى اختزال وجودنا في بُعد يتيم.


هذا العشق للغتين الرسميتين لا يعني أبدا أن نتخذ بشأنهما مواقف خرافية أو غير متوازنة، فإذا سُئلت شخصيا عن تدريس العلوم بهما مثلا فسيكون جوابي بالرفض، ليس لقصور فيهما، بل لأننا لم نقم بما يلزم لإعدادهما لتلك المهمة الجسيمة.


هذا من جهة، أما من جهة ثانية، فبعد 63 سنة من سياسة التعريب، يطالبنا الرجل بأن نحادث أنفسنا فقط، بينما مهمتنا أيضا أن نخاطب أمثال السيد حميش بلغتهم رحمة بهم، وهم الذين لا يفقهون شيئا في اللغة الأصلية الأولى الأكثر عراقة بشمال إفريقيا، إننا نخاطبهم بلغتهم تماما كما خاطب القرآن "قريشا" بلغتهم ليكون ذلك حُجة عليهم، حتى لا يقولوا "لولا فُصلت آياته أأعجمي وعربي؟"، فحتى لا يقول السيد حميش ومن على شاكلته إننا لا نفهم ما تريدون وما تقصدون، ويبقوا على "كفرهم" وعنادهم، عمدنا إلى استعمال لغتهم حتى نتفاهم، خاصة وأن الدولة المغربية حَرمتهم من حقهم في تعلم اللغة الأمازيغية التي أقصتها من التعليم منذ الاستقلال.


يتعلق الأمر هنا بالنقاش بين النخب، ذلك أننا نستعمل الدارجة المغربية كما نستعمل الأمازيغية في غفلة من السيد حميش لمخاطبة الفئات العريضة التي لا يعرف الأستاذ حتى كيف يتوجه إليها بالخطاب. وبالواضح : إننا نستعمل الأمازيغية يوميا كتابيا وشفاهيا مع الذين يفهمونها، ونتوجه إلى غيرهم من ضحايا التعريب الإيديولوجي باللغات الأخرى التي عملت الدولة على نشرها طوال عقود الاستقلال، وهدفنا المساهمة في إنجاح الانتقال نحو الديمقراطية في بلدنا، (والتي تعني المساواة قبل كل شيء، وتدبير التعددية والاختلاف بشكل سلمي)، حتى لا يشعر أحد بالإقصاء في وطنه، هذا الانتقال الذي يظل مستحيلا دون إكساب الناس الوعي الديمقراطي المطلوب.


على السيد حميش إذن أن يُقر بالامتياز الذي نحظى به إزاءه، فنحن قادرون على الانتقال من مخاطبة سكان العالم القروي إلى الأحياء الشعبية والراقية بالحواضر إلى مدرجات الجامعات والقاعات العمومية إلى النقاش مع النخب الحزبية والفكرية والطبقة السياسية، وخلال ذلك نستطيع الانتقال من الأمازيغية إلى الدارجة، عبر العربية الفصحى ثم الفرنسية، وهي ملكة قد لا يتمتع بها السيد حميش، الذي يعرف ربما أكثر من لغة أجنبية، لكنه لا يعرف اللغة الأعرق على أرض بلده، والتي صارت بقوة الأشياء واتجاه التاريخ لغة رسمية في الدستور. وأن يكون المرء أميا في لغة ما ليس عيبا في حدّ ذاته إذا كانت لديه إرادة التعلم، لأنه في الواقع مجرد ضحية للدولة التي لم تعلمه في الوقت المناسب.


أعتقد إذن أن هذا الأمر مفهوم ولا عجب هنالك.


وحتى نخرج من نقاش قد لا يفيد القراء في شيء، نودّ التذكير بأن استعمال لغة ما وتفعيل طابعها الرسمي، واعتماد أبجدية ما، يتوقف بالدرجة الأولى على تعميم تعليمها في المدارس، كما حدث بالنسبة للغة العربية الكلاسيكية التي لم يكن يعرفها قبل الحماية أكثر من 5 في المائة من المغاربة، وصارت اليوم لغة يعرفها نسبيا كل من نال حظا من التعليم. فإذا كان السيد حميش غيورا على مستقبل الأمازيغية مُصرا على تفعيل طابعها الرسمي، فليس له إلا أن يُساعدنا على جعل الدولة تقر بتعميمها الأفقي والعمودي في التعليم، باعتبارها لغة إلزامية لجميع المغاربة كغيرها من اللغات، وهو ما لم يتحقق حتى الآن رغم أن القانون التنظيمي للغة الأمازيغية قد أشار إليه ونصّ عليه.


ثم حتى نكون أكثر صراحة مع السيد حميش، أليس العجب العُجاب فعلا هو أن يتحدث شخص ما منافحا عن العربية، بينما ألف كتبه بالفرنسية ودرّس أبناءه في البعثة الأجنبية، وتجده في محافل الفرنكوفونية يوزع ابتسامته بسخاء؟


ومن النكات ما كتبه السيد حميش متحدثا عن كاتب هذه السطور "إلى متى وهو يستعمل اللغة العربية في مجمل خرجاته التأليفية والإعلامية معتمدا مقدراته البيانية والبلاغية، مع أنه يداوم على التقريع في اللسنان العربي وذم أهاليه؟".


والحقيقة أن النقد الشديد الذي ما فتئتُ أوجّهه منذ أربعين سنة لإيديولوجيا التعريب المطلق لا علاقة له باللغة العربية، التي توجد على أرض المغرب منذ قرون طويلة، ولم يسبق للأمازيغ أن اتخذوا منها أي موقف سلبي، بل استعملوها وما زالوا بدون عُقد، كما استعملوا غيرها من اللغات، وإنما عملنا على نقد سياسة فاشستية ما زالت تستوطن أدمغة البعض رغم تقادمها.


ويعلم الجميع كذلك ـ وكتاباتنا شاهدة على ذلك ـ بأن النقد الشديد اللهجة الذي وجهناه لمقترحات قوانين "تعريب الحياة العامة" التي تقدم بها الحزبان المحافظان "الاستقلال" و"العدالة والتنمية"، والتي تهدف إلى "تجريم استعمال أية لغة أخرى غير العربية"، بل والحكم بالغرامة 100 مليون سنتيم والسّجن خمس سنوات على من استعمل لغة أخرى (كذا !!)، إنما هو نقد موضوعي مؤسّس ومبني قبل كل شيء على التزامات الدولة المغربية وعلى الدستور المغربي، ما جعل تلك المقترحات الغريبة غير مقبولة لا عندنا ولا عند غيرنا من الديمقراطيين.


إنّ تحريف النقاش لن يكون له من هدف سوى التعمية والتشويش على مطالبنا الديمقراطية، التي تقول بصريح العبارة: نعم للغة العربية التي هي لغتنا بجانب لغتنا الأمازيغية الأصلية، ولكن لا لإيديولوجيا التعريب المطلق، ولا لأية سياسة تهدف إلى حظر أية لغة أخرى أو محاصرتها أو محوها. فخدمة اللغة العربية ممكنة دون تجريم استعمال غيرها أو محاولة تحجيمها، ونقدنا للقوانين والسياسات العنصرية ليس موقفا سلبيا من اللغة العربية أو أية لغة أخرى.


ولقد قمنا كذلك بنقد من يدافع عن اللغة العربية باستعمال الخرافات والأكاذيب وأنواع التهريج التي لا أساس لها في العلم ولا في الواقع، كمثل القول إن العربية "لغة فضلها الله" أو "لغة أهل الجنة"، و"لغة مقدسة"، وكمثل اعتبارها "لغة آدم منذ بدء الخليقة، واعتبارها "ركنا سادسا من أركان الدين"، وكمثل القول إن جميع الدول العظمى تعمل في السرّ ليل نهار على نقل جميع منتجاتها الحضارية إلى العربية (كذا)، بعد أن اكتشفت بأن جميع اللغات ستنقرض وستبقى العربية وحدها لأنها "ثابتة لا تتغير"، إلى غير ذلك من الأقاويل الباطلة والعبارات الطائشة التي تنشر الجهالة والتجهيل ولا تنفع في علم ولا معرفة صحيحة.


بصدد "المغرب العربي":


ما فتئ القوميون العرب يشتكون من رفضنا لعبارة "المغرب العربي"، وشكواهم اليوم موقف غريب عن قوانين البلاد ودستورها، خاصة بعد التشطيب على هذه العبارة من القانون الأسمى للبلاد سنة 2011، كما أنه غريب عن الحسّ السليم والمعطيات العلمية الموضوعية، فنحن لا نرفض عبارة "المغرب العربي" لأننا نرفض العربية، بل لأننا نشعر بعدم احترام لوجودنا، كما نشعر بإهانة مواطنتنا ووطنيتنا المغربية، وبعدم اعتبار اللغة والهوية الأكثر عراقة على أرض المغرب، فبينما يُقر الدستور باللغتين الرسميتين، ويُقر بتعدد مكونات الهوية المغربية التي يذكرها بالنص، يعمل القوميون العرب على الاستمرار في اعتماد تسميات وعبارات تختزل تلك الهوية المتعدّدة في مكون واحد وحيد هو "العروبة الخالصة"، وأذكر السيد حميش بهذا الصدد بأن الدكتور سعد الدين العثماني رئيس الحكومة الحالي، الذي لا ينتمي إلى الحركة الأمازيغية، عندما كان وزيرا للخارجية، دعا جميع وزراء المغارب إلى عدم استعمال عبارة "المغرب العربي" لما فيها من اختزال وإقصاء، ولقد كنا واضحين كل الوضوح في رفض هذه التسمية التي ستزول من التداول لا شك قريبا بعد أن زالت من النص، وسيكون ذلك لأسباب أربعة:


ـ لأنها مرتبطة بسياق تاريخي لم يعد موجودا.


ـ لأنها لا تعبّر عن تعدّد مكونات المغرب.


ـ لأن الدستور المغربي استعاض عنها بعبارتي "الاتحاد المغاربي" و"المغرب الكبير".


ـ لأنها عبارة ما فتئت تثير الاعتراض وتبعث على الصراع والخلاف عوض الوحدة.


التعريب الأكاديمي والتعريب الإيديولوجي:


الشيء نفسه يُقال عن رفضنا لسياسة التعريب، والذي هو موقف لا يتعلق بالتمكين للغة العربية في الإدارة أو التعليم، فكل لغة رسمية لا بدّ لها من ذلك، وإنما نميز تمييزا واضحا بين التعريب اللغوي الأكاديمي، وهو عمل يقوم به اللسانيون يوميا، وبين المفهوم الثاني الذي هو التعريب السياسي ـ الإيديولوجي الذي يُقصد منه تعريب التاريخ والشخصية المغربية وتعريب أسماء الأماكن وتعريب أسماء المواليد ونشر الوعي القومي العربي الإقصائي عبر النظام التربوي ووسائل الإعلام وخطاب السلطة ونخبها، وقد لا نحتاج إلى التذكير بمضامين الكتب المدرسية التي نَشرت على مدى 45 سنة معطيات أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها مغرقة في الإيديولوجيا والعنصرية، ولا علاقة لها بالتاريخ الفعلي لبلادنا، وقد أدت بنا سنة 2004 إلى حدّ أن رفعنا دعوى قضائية ضدّ وزارة التربية الوطنية. وقد دخلت هذه المضامين في طور التصحيح التدريجي في السنوات الأخيرة، وستنمحي كليا بعد زمن وجيز، بسبب طابعها الاختزالي والإقصائي.


بصدد حرف تيفيناغ: حقائق مغيّبة


في مناقشة سي حميش نجدنا مضطرين إلى التمييز بين الآراء الشخصية والأخطاء المعرفية، فالخطأ المعرفي ليس "رأيا" بل هو خطأ يجب تصحيحُه لأنه يمثل تغليطا للرأي العام، ومن ذلك قول الأستاذ إنّ حرف تيفيناغ أقره المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية في 31 يناير 2003، والصحيح أن المعهد المذكور ليس من صلاحياته أن يُقرر أصلا، بل هو مؤسسة استشارية "يُبدي الرأي" للملك، وعندما أبدى رأيه حول حرف كتابة الأمازيغية، لم يوافق الملك محمد السادس على ذلك الرأي مباشرة، بل استدعى الأحزاب السياسية إلى الديوان الملكي عن طريق المستشارين الراحل مزيان بلفقيه ومحمد معتصم، وكانت نتيجة تلك المشاورات أن من بين جميع الأحزاب التي استدعيت لم يكن ثمة من عارض حرف تيفيناغ ما عدا الحزبين المحافظين "الاستقلال" و"العدالة التنمية"، اللذين طالبا بالحرف العربي، وهم أقلية صغيرة في المجتمع السياسي المغربي. ولقد أقرّ الملك محمد السادس مباشرة بعد ذلك حرف تيفيناغ حرفا رسميا لكتابة اللغة الأمازيغية وتدريسها بتاريخ 10 فبراير 2003، كما بعث برقية تهنئة إلى المجلس الإداري للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية الذي كنت عضوا فيه آنذاك، نشرتها الوكالة المغربية للأنباء، وعمّمتها على جميع المنابر الإعلامية. ولعل ما نشرته بعض الصحف الأجنبية كان أكثر دقة عندما قالت إن الدولة المغربية قد أقرت حرف "تيفيناغ" لتدريس اللغة الأمازيغية.


وسيفهم القارئ اللبيب دلالات هذه الوقائع من الناحية السياسية، إذا علم بأن من بين أدوار الملكية المغربية الحفاظ على التوازنات بين الفرقاء المختلفين، عبر نوع من التحكيم الملكي الحاسم، ومن هذا المنطلق فدُعاة العودة إلى فرض الحرف العربي على الأمازيغية هم دعاة فتنة حقيقيون، لأن نتيجة موقفهم هي فقط العودة إلى الصراعات القديمة التي طوينا صفحتها منذ 17 سنة.


وقد تلا هذا الاعتراف الوطني التاريخي بحرف تيفيناغ اعتراف دولي سنة 2004 من المعهد الدولي لمعيرة الأبجديات Iso unicode، كما دخل في أكتوبر 2012 إلى نظام Windows 8المعلوماتي، ثم إلى الـ"فيسبوك" سنة 2014، ثم محرك البحث Googleسنة 2015.


وابتداء من سنة 2012 تم تأليف أول كتاب مدرسي لتعليم اللغة الأمازيغية بليبيا الشقيقة بعد سقوط معمر القذافي، وقد اختار أمازيغ ليبيا حرف "تيفيناغ إركام" لتدريس لغتهم، هكذا انتقل هذا الحرف من الاستعمال الوطني إلى المجال المغاربيّ خاصة بعد أن ظهرت الكثير من الجمعيات الأمازيغية بتونس بعد سقوط نظام بنعلي، وكذا الفرق الموسيقية التي احتفلت بحرف تيفيناغ أيما احتفال.


أما بالنسبة للذين ناضلوا على مدى نصف قرن من أجل مكان للأمازيغية تحت الشمس، فيعلمون قيمة الاعتراف بحرف كان محظورا لدى السلطات يُعاقب مُستعمله بالسجن، ليصبح حرفا وطنيا ثم مغاربيا ثم دوليا. وعلى الذين ما زالوا يقترحون علينا الحرف العربي لكتابة اللغة الأمازيغية أن يعملوا على الخروج من إيديولوجيا الوصاية والأبوة الثقافية التي لم يعد لها من معنى في عصرنا. وإذا كان الدستور يُقر باللغتين الرسميتين، دون أن يجعل إحداهما تحت وصاية الأخرى أو تابعة لها أو مشتقة منها أو خادمة لها، فإن ذلك لا يعني أنهما ليس لهما تاريخ مشترك، تمخضت عنه الدارجة المغربية، التي ترمز لتفاعل وتبادل حضاري عميق بين اللغتين.


وعلى الذين قالوا غير ما مرة بضرورة كتابة اللغة الأمازيغية بالحرف العربي حتى تبقى في إطار المنظومة العربية ـ الإسلامية للثقافة، أن يتفهموا أمرين اثنين:


ـ أن هوية الأمازيغ عبر تاريخهم الطويل هو رفض الوصاية والرغبة في التحرّر.


ـ أنه لم توجد قط لغة نهضت وازدهرت وحافظت على وجودها تحت وصاية لغة أخرى.
reaction:

تعليقات

أكادير بريس جميع الحقوق محفوظة © 2020 agadir press






xxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxx