القائمة الرئيسية

الصفحات

آخر الأخبار

مختصون يُشخصون عثرات التدبير ويوصون بحلول ما بعد أزمة كورونا

مختصون يُشخصون عثرات التدبير ويوصون بحلول ما بعد أزمة كورونا
مختصون يُشخصون عثرات التدبير ويوصون بحلول ما بعد أزمة كورونا
عملت ندوة رقمية وطنية عن بعد لكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بسلا، أمس الجمعة، على مقاربة "إدارة المغرب لأزمة "كوفيد-19" .. المؤسسات والمرحلة"، من خلال الخبراء المصطفى منار ومنتصر السويني وأحمد مفيد ومحمد بنحمو، في النقاش الذي أداره خالد حمص، عميد الكلية نفسها التابعة لجامعة محمد الخامس.
الندوة المنظمة من طرف مختبر الدراسات والأبحاث في القانون العام والعلوم السياسية ومختبر المالية والمقاولاتية والتنمية، بشراكة إعلامية مع جريدة هسبريس الإلكترونية، قاربت الظرفية الحالية المتسمة بتداعيات مواجهة تفشي كورونا في المملكة، بالتدقيق في أداء الحكومة والبرلمان قبل تقديم توصيات للعمل المستقبلي القادر على انتشال البلاد من المخلفات الثقيلة للأزمة.
"كورونا" والحكومة
الدكتور محمد بنحمو، أستاذ باحث في القانون والعلوم السياسية، اعتبر أن المرحلة الأولى من تدبير الأزمة، قبل تدخل الملك محمد السادس، اتسمت بتعاط حكومي دون استراتيجية ناجعة في مجاراة الوضعية الاستثنائية، وذكّر بأن الحكومة جربت التشكيك في الجائحة، مبدية سوء فهم أو تقدير أو غيابا للتشخيص الحقيقي للوضع، متموقعة ضمن التباس بين السرعة والتسرع، بينما المواطنون كانوا ينتظرون حلولا بدل محاولة توفير إجابات.
وقال بنحمو إن التناغم في الأداء الحكومي أخذ يلوح ميدانيا بعد تدخل الملك محمد السادس لرسم معالم طريق المرحلة، لكن هذا لم يمنع من رصد قطاعات حكومية قادرة على العمل بشكل جيد مقابل أخرى توارت عن الأنظار بشكل ملفت للانتباه، معلقا بالقول: "حين نقول هذا، لا نلجأ إلى التبخيس، بقدر ما نبدي رفضا لإنكار ما تم فعلا".
الدكتور المصطفى منار، خبير قانوني أستاذ باحث في العلوم السياسية، يرى النقاش العمومي واقفا على كون الخرجات الحكومية التي تمت عبر بلاغات عديدة أبدت مظاهر ارتباك تشير إلى غياب التنسيق بين الفاعلين السياسيين والعلميّين، ضاربا المثل بتمديد حالة الطوارئ الصحية إلى 10 غشت قبل أن يتم تعديل التاريخ إلى 10 يوليوز.
وقال الأكاديمي نفسه، منسق ماستر التشريع وعمل المؤسسات السياسية والدستورية، إن المواطنات والمواطنين المغاربة حرصوا طيلة هذه الفترة على احترام التدابير الوقائية، وفي مقدمتها الالتزام بالحجر الصحي المفروض في هذه الوضعية، وينبغي أن تتم مجازاتهم بتحقيق الأمان والطمأنينة.
مداخلة منتصر السويني، باحث في المالية العامة والعلوم السياسية، أثارت الانتباه إلى عدم تمكن الحكومة من البروز كمؤسسة جماعية، وإلى أن وزارات محددة عملت بالسرعة القصوى مقابل وزارات أخرى بقيت غائبة، ما يعني أن الحكومة لم تستغل كل طاقاتها في المواجهة المفتوحة مع الجائحة وتداعياتها.
"الوزراء غير السياسيين أبدعوا طيلة الشهور الأربعة الماضية، أما الوافدون على التدبير عبر الزمن الانتخابي لم يكن لهم دور وازن في ما جرى خلال هذه المرحلة المفصلية"، يقول الدكتور السويني قبل أن ينتقد غياب انفتاح العمل الحكومي على مساهمات نخب الشعب المحايدة، مرجعا ذلك إلى التقوقع حول الاكتفاء بما تملكه الأغلبية الحزبية.
أما الدكتور أحمد مفيد، أستاذ باحث في العلوم القانونية والسياسية، فقد ذكر ضمن مداخلته أن "الارتباك الحكومي انبعث من كون حالة الطوارئ غير منصوص عليها في الدستور المغربي؛ إذ تحضر حالات الاستثناء والحصار والحرب فقط، ما طرح إشكالا حول المعني بها وأشكالها، ولا بد من استدراك هذا الفراغ بعد رجوع الحياة إلى سيرها العادي".
"الارتباك لاح من خلال الإعلان عن حالة الطوارئ الصحية بقرار، ثم جرى الانزياح صوب التشريع بين دورتي البرلمان رغم أن الحالة لها ارتباط بتدابير ماسة بحقوق وحريات المغاربة"، يردف مفيد ثم يستدرك بأن "الحكومة انتبهت إلى خطئها واعتمدت على الفصول الدستورية 21 و24 و81 لخلق المشروعية اللازمة لمرسوم حالة الطوارئ الصحية، متحركة في إطار حماية السلامة والنظام العام وتقييد التنقل وفق القانون".
وزاد الخبير ذاته أن لجنة اليقظة الاقتصادية، المحدثة بتعليمات من الملك محمد السادس، كان عليها أن تقوم بعملها تحت رئاسة سعد الدين العثماني، رئيس الحكومة، وأن "ملف العالقين خارج المملكة، وإن كان قد سجل تطورات قيّمة أخيرا، لم يتم التعاطي معه بالإيجابية المطلوبة من طرف الحكومة، وقطاع الصحة استفاد من امتيازات تستوجب تتبع مدى احترام الصفقات للشفافية والحكامة"، بينما انتقد منع الجماعات الترابية من عقد الدورات العادية لمجالسها، رغم الرهانات المرتبطة بعملها في محاربة تفشي "كوفيد-19" بكل منطقة على حدة.
حضور البرلمان
قال المصطفى منار، خلال الندوة التي بادرت كلية الحقوق في سلا إلى عقدها رقميا، إن الإطار التشريعي المغربي كشف غياب ترسانة قانونية للتعامل مع تفشي الأوبئة في البلاد، باستثناء أثر وحيد في هذا المجال يعود إلى ستينات القرن الماضي، ما يستدعي التحرك لاستدراك هذا الوضع غير السليم.
وبعدما استحضر مبادرة البرلمان بتفويض صلاحياته للحكومة من خلال "قوانين الإذن بالتشريع"، شدد الدكتور منار على عدم إمكانية التعامل مع حقوق وحريات المواطنات والمواطنين بمناشير للحكومة، وانتقد إعطاء البرلمانيّين "شيكا على بياض" للحكومة من أجل الإقبال على رفع سقف الاستدانة ورهن مستقبل الوطن سنوات طويلة.
منتصر السويني يرى أن البرلمان ينبغي أن يتعامل مع الأزمات بكونه "محامي الشعب"، لكنه عرف تحولات متتالية أفقدته موقعه كمكان لتنوع الأفكار وتعدد الآراء، وأضحى مكانا لتمرير تصورات المؤسسة الملكية والحكومة، وفقا لما تبرزه الممارسة الفعلية على هذا المستوى من البناء المؤسساتي المغربي.
"ينبغي ألا يقتصر تركيز البرلمان على التشريع مستقبلا، بل المطلوب منه تفعيل مقتضى الفصل 70 من الدستور بإقباله على إجراء مراقبة الحكومة وتقييم السياسات العمومية بطريقة أكثر نجاعة، كما أن أزمة كورونا أبرزت أنه لا داعي لاشتغال البرلمانيين بنظام الدورتين، وأن الغرفتين التشريعيتين عليهما أن تظلا حاضرتين طوال السنة"، يقول الدكتور السويني.
من جهة أخرى، خلص محمد بنحمو إلى أن الأداء البرلماني كان غائبا في بداية تفاعل المغاربة مع مخاطر "كوفيد-19"، حيث لا يُعلم إن كان قد غيب نفسه تلقائيا أم تم تغييبه عمليا؛ إذ لم يلعب أي دور في المرحلة الأولى قبل أن يحاول في مرحلة ثانية البصم على مشاركة في تدبير الأزمة وفق الصلاحيات الموكلة إليه.
الباحث أحمد مفيد أشاد، ضمن مقاربته، بانعقاد البرلمان في الأجل الدستوري مع الأخذ بمتطلبات المرحلة في التباعد الاجتماعي داخل مقره وحرصه على إخراج تشريعات خاصة بتدبير المرحلة، معطيا الأولوية في الرقابة للقطاعات المرتبطة بمكافحة "كورونا"، وقال: "غرفتا البرلمان بصمتا على سابقة في إشراك المواطنين ضمن عمل اللجان، كاسرة مبدأ السرية وإن كان غير مطلق؛ إذ حرصت على نقل مجرياتها صوتا وصورة بجانب ما تشهده الجلسات العامة".
الجائحة أثرت على الأداء البرلماني وأفرزت إشكالات دستورية عديدة، وفق مفيد، بينها ضبط الحضور الخاص بالمستشارين والنواب، بينما القضاء الدستوري حسم الطعن في مسطرة التصويت لتمكين الحكومة من زيادة الاستدانة؛ إذ نطق بسلامة التدابير الجديدة التي اعتمدت الإجراءات الاحترازية المعمول بها حاليا في المغرب، وهو اجتهاد مهم جدا.
السياسة والكفاءة
ردّ منتصر السويني الدعوات إلى حكومة غير سياسية في أوقات الأزمات إلى ارتفاع أعداد غير المسجلين في اللوائح الانتخابية، وأيضا نسبة غير المشاركين في الاقتراع، أي تقليص "الشعب الانتخابي" بطريقة تجعل الحكومات والبرلمانات تفقد الجزء الكبير من مشروعيتها الشعبية، وجعل جزء كبير من الشعب يشعر بأنه مقصي.
"المشروعية الانتخابية المقلصة إبان الزمن الانتخابي امتد تأثيرها إلى تقليص المشروعية الوظيفية وما تقتضي من احترافية عالية في أعمال الحكومة والبرلمان، ما يؤثر أيضا على مشروعية الكفاءة ومشروعية النتائج، وهنا ينبغي استحضار تهكم والي بنك المغرب على مقترحات بعض نخب الأحزاب الداعية إلى طبع الأوراق المالية لمواجهة الأزمة، وبالتالي برز تفوق الخبير وتواضع السياسي"، يردف الخبير السياسي المتخصص في المالية العامة.
ووفق السويني، فإن المشروعية الانتخابية المقلصة ونمط الاقتراع النسبي جعلا الأغلبية تركز على خدمة قاعدتها الانتخابية، ما يجعل شريحة واسعة من المغاربة تشعر بأنها خارج السياسات العمومية لتكثر الاحتجاجات الاجتماعية، وبرزت السياسات العمومية الفئوية التي تخدم السوق الانتخابي.
كما تساءل الدكتور منتصر السويني قائلا: "في ظل وجود الجائحة واقتراب الزمن الانتخابي، هل تملك الحكومة التي لم يبق إلا القليل على نهاية ولايتها مقدرة على شرعنة إجراءات للمدى الطويل دون تفويض؟"، وعلق بالقول: "قد يكون الانتقال إلى حكومة وطنية أو حكومة تكنوقراط يعني الانتقال من الشرعية الانتخابية إلى شرعية المصلحة العامة، فالوزير في الحكومة السياسية هو أيضا مدبر إداري وآمر بالصرف، وبالتالي يمكن العمل عبر التأثير على هاتين الصفتين، لكن المشكلة تكمن في وجود الصفة الانتخابية وغياب الشرعية الوظيفية وشرعية الكفاءة وشرعية النتائج، ما يتيح العمل من خارج الزمن الانتخابي لتحسين المردودية والكفاءة والنتائج، وشرعنة أثر السياسات العمومية من خلال الاعتماد على الحساب والتوقع والقياس".
وشدد الباحث على أن "الحل ليس في الاختيار بين حكومة سياسية وحكومة كفاءات، بل في حكومة سياسية تنفذ سياساتها العمومية من خلال التكنوقراط والخبراء، ودراسة الأثر الذي تتركه هذه السياسات على المواطن المرتفق دافع الضرائب، والعمل على تحسين وتحيين الفعل العمومي بشكل متواصل".
بخصوص المحور نفسه، شدد الدكتور المصطفى منار على أن الظرفية الاستثنائية يراد منها أن تخرج للمغاربة فاعلين استثنائيين بكل ما تحمله الكلمة من معنى، بينما الارتباك أثر على ثقة المواطن بالحكومة، وقال: "حين نعطي صلاحيات لوزير الداخلية والولاة والعمال ونغيب الجماعات الترابية، نستفسر عن الديمقراطية التشاركية، والتواجد في حالة طوارئ صحية لا يعني الاستثناء أو الحصار أو الحرب؛ ولذلك ينبغي أن تحضر مشاركة الجميع".
ورفض الأستاذ الباحث التحدث بـ"خطاب السياسي والتكنوقراطي" في هذه المرحلة الاستثنائية، مؤكدا أن حضور الاختلالات لا يبيح النيل من الخيار الديمقراطي كمبدأ دستوري، ولا يمكن العمد إلى ضرب المنهجية الديمقراطية التي تم النيل منها في سنوات سابقة، وبالتالي لا يجب التحدث عن "حكومة كفاءات" وإنما التشبث بالإقرار الدستوري وتمرين الممارسة الديمقراطية كي تصان البلاد وتحترم الوثيقة الدستورية، خالصا إلى عدم إمكانية وجود ديمقراطية دون استقرار حكومي مثلما لا ديمقراطية بأحزاب غير قوية.
أحمد مفيد واصل في الفكرة نفسها بقوله إن الدستور لا يقبل الحديث عن "حكومة كفاءات في المغرب خارج الأحزاب السياسية"، مستدلا بوضوح الفصل 47 من الوثيقة الدستورية، "لكن لا وجود لما يمنع تشكيل حكومة بوزراء منتمين إلى أحزاب ووزراء آخرين من خارجها، وهذا حال الحكومة الحالية، بينما المسطرة تقتضي وقوع التعيين باقتراح من رئيس الحكومة على الملك".
الحكومة السياسية تكريس للاختيار الديمقراطي الذي يبقى غير قابل للمراجعة، وفق الفصل 175 من الدستور، وإذا ظهر ضعف في أداء بعض القطاعات الحكومية، يورد الدكتور مفيد، ينبغي محاسبة المسؤولين عنها ومساءلتهم، فرئيس الحكومة يتحمل المسؤولية لأنه ليس محصورا في تنسيق اشتغالات الوزراء، أما المطالبة بـ"حكومة كفاءات" تعد مخالفة صريحة للدستور، والملك هو المسؤول عن حماية الصك الدستوري وأبرز ذلك في الكثير من القرارات الصادرة عنه، لكن هذه المطالبة مهمة جدا فقط لأنها تشكل ضغطا على الحكومة وتدفعها إلى الارتقاء بأدائها.
أما الدكتور محمد بنحمو فقد أثار الانتباه إلى أن الحديث عن حكومة الكفاءات قد قام بطريقة أخرى تدعو إلى "حكومة ائتلاف وطني"، على أن تقدم الأحزاب كفاءات من داخلها وتستعين بأخرى من خارجها، وقال: "لا وجود لمن اتجه صوب كفاءات بعيدة عن الفعاليات السياسية، وهو حل ممكن خلال هذا الظرف الاستثنائي في انتظار الانتخابات التي لا تبرز في أفق واضح حاليا".
ووفق المتحدث عينه، فإن الأزمة الصحية قد يكون المغاربة في طريق التعايش معها، بينما الأزمتان الاقتصادية والاجتماعية وتحديات أخرى تبقى صعبة أمامهم، ما يستلزم طاقما حكوميا بقدرات عالية وبرنامج عمل واضح، لأن السنوات المقبلة ستكون صعبة وتقتضي تغيير العقليات والمفاهيم والأولويات؛ إذ ينتظر ألّا يكون المستقبل امتدادا للحاضر بفعل القطيعة التي وقفت وراءها كورونا.
"لا ينبغي الاستمرار في قوى الفرص الضائعة، وهذا ليس لصيقا بفريق دون آخر، فالكثير من الكفاءات تبقى خارج الأحزاب السياسية للأسف، ولا ندري لماذا لم يتم النجاح في كسب هؤلاء من طرف التنظيمات السياسية؟"، يقول بنحمو، مضيفا: "هناك إمكانية تشكل حكومة ائتلاف وطني دون تهميش الأحزاب السياسية، لكن المرحلة المقبلة تحتاج مؤسسات حقيقية بنخب فعلية، وإذا كانت هناك إشكالية مرتبطة بالسياسيين، متصلة بالكفاءة والإبداع والاستحقاق، فإن بعض التكنوقراط يتولون مسؤوليات رغم إبرازهم قصورا في الفعالية".
توصيات الحلحلة
يؤكد محمد بنحمو أن الأزمة عرت الواقع الحزبي؛ حيث كانت هذه التنظيمات غائبة بعدما قررت الدخول في حجر سياسي غير منتظر، ثم عادت إلى الظهور في المشهد قبيل أيام من الآن، ما يطرح تساؤلات جوهرية مرتبطة بالنخب المتوفرة وقدرتها على الإبداع في الظروف الاستثنائية.
ويرى الخبير القانوني والسياسي أن المرحلة المغربية الجديدة تستلزم التركيز على إعادة بناء ما يؤمن استمرار القفزة النوعية التي شهدها البلد، والاستثمارات الكبيرة والتنمية المستدامة التي كانت تبنى قبل وصول الجائحة العالمية، وإعطاء الأولوية لضمان رفاهية المواطنين واستمرار تقدم وازدهار الوطن.
أما منتصر السويني، فإنه يقر بصعوبة توقع الآثار الكاملة لجائحة كورونا على المغاربة، وبالتالي يكون من الصعب تقديم حلول جاهزة، لكنه يرى أن "العقل المركزي للدولة يرجح العقل البنكي في هذه المرحلة من خلال تعيين بنكي سابق وزير المالية رئيسا للجنة اليقظة، وحضور بنك المغرب ومجموعة من الأبناك ضمنها، ومعروف عن العقل البنكي أنه يعقلن التوقع كما يقارن الوسائل والأهداف والقدرة المالية مثلما يتقن حساب المخاطر".
وبعدما شدد على أن العقل البنكي تتم المراهنة عليه للعب دور كبير في رسم الطريق نحو المستقبل، ومواجهة أي خارطة طريق يمكن أن يحاول البنك الدولي فرضها على المغرب في القريب العاجل، قال الدكتور السويني إن "العقل المركزي للدولة استفاد من التجارب السابقة في مواجهة الأزمات، خاصة مرحلة التقويم الهيكلي والحاجة إلى وزير مالية قوي لتدبير المرحلة، كما تم الشيء نفسه في مرحلة ترسيخ الهوية الليبرالية وحكومة التناوب، واليوم يحتاج المغرب وزيرا قويا كمحمد بنشعبون".
وأضاف في مداخلته أن الأزمة تفرض ضرورة الانتقال من الوضع على الأجندة واستراتيجية الإشراف على التدبير إلى استراتيجية التقييم، وبسبب الندوة اليومية لوزارة الصحة الكاشفة تطور الوضع الوبائي، على الساعة السادسة مساء من كل يوم، تولدت لحظة تقييم استراتيجية مواجهة كورونا في مختلف جهات المملكة، والنتائج يعتمد عليها في تحيين سياسة اليوم التالي، وصار الفاعل العمومي أمام حقيقة النتائج والأثر على انتشار الوباء، وبالتالي شرعنة الأزمة بقوة الواقع وليس بقوة النص، ليكون تفعيل مؤسسة التقييم طورا مهما في الفعل العمومي المغربي، خصوصا إذا ما تم تعميم ذلك لاحقا.
"العقل المركزي المغربي لم يختر الاستراتيجية الانهزامية من خلال طلب الدعم الخارجي أو انتظار السكتة القلبية أو قراءة اللطيف، وبطواعية ومسؤولية اختار استراتيجية التحدي المبنية على الثقة في الذات وضبط إمكانات البلد، وقدرة العقل الوطني المغربي على الإبداع من أجل خلق الظروف المواتية لمواجهة الأزمة"، يزيد السويني قبل أن يؤكد أن "رسالة مشروع القانون المالي التعديلي تبرز أن المغرب الرسمي يطمح إلى تعزيز الميثاق الميزانياتي، بمراجعة السياسات العمومية وتخفيض العجز، واللجوء إلى ميثاق للإنتاج لتعزيز التنافسية وتشجيع البحث والابتكار على أيدي الأبطال الوطنيين، والبحث عن ميثاق للمديونية من أجل السيادة المالية والتنموية وعدم رهن مستقبل المغاربة. أما ترسيخ مملكة القرب، فإنه يقتضي سياسة الحضور إلى جانب المواطنين من خلال الاستماع إليهم والتجاوب مع تطلعاتهم، وأخذ خصوصياتهم بعين الاعتبار في السياسات العمومية المرتبط تطبيقها بالمستقبل".
الدكتور أحمد مفيد نوه بالدعم الملكي المقدم إلى عدد كبير من الدول الإفريقية لمواجهة جائحة كورونا، مبرزا أن المغرب يتشبث بتقاسم إمكانياته بشكل يرسي دعائم التضامن البيني الإفريقي، ويؤكد عمل المملكة من أجل إفريقيا في السراء والضراء، وذكر أن "الجائحة ينبغي أن تشكل فرصة لاستخلاص الدروس والعبر، سواء من طرف المؤسسات أو من لدن مجموع المواطنين، وتحديد الأولويات بعد قضية الصحراء المغربية، مع تقديم التعليم والصحة والبحث العلمي والحماية الاجتماعية، وتجويد التدخل العمومي مع إنجاح الانتقال الرقمي".
واسترسل مفيد قائلا: "لم يكن هناك نقص في المواد الغذائية رغم الارتباك الحكومي خلال تدبير الأزمة، ومجموعة من الشركات حولت نشاطاتها إلى تصنيع مواد مرتبطة بالتدخل ضد الجائحة، ولذلك أضحى من المهم جدا تطوير الاقتصاد المغربي بمواكبة القطاع الصناعي الخاص من طرف الدولة، خاصة أن هذا يعزز محاربة البطالة ورفع معدل النمو. أما الدعم الممنوح للأسر الفقيرة، فإنه يحتاج المأسسة لتجنب استغلاله سياسويا، وعليه أن يستمر ما بعد كورونا في إطار تعزيز التضامن المجتمعي، ولا ينبغي إغفال مدخل الحكامة والشفافية لتحسين التدبير العمومي وربط المسؤولية بالمحاسبة، كما أن الاشتغال على النموذج التنموي ينبغي أن يتم استيعابه من لدن الأحزاب بتضمين مخرجاته في البرامج".
الدكتور المصطفى منار فضّل إثارة كلفة الخروج من الأزمة، وأولها إعادة النظر في العمل الحزبي وكيفية تأهيل الخطاب السياسي حتى يوافق الواقع، لتكون الغاية إرجاع ثقة المواطن وجعل الاستحقاقات المقبلة بعيدة عن العزوف السياسي.
وقال في هذا الصدد: "من الصعب التكهن بالتوقعات والآثار والتداعيات الناجمة عن كورونا، خصوصا أن الوضع ما يزال مستمرا ويلقي بظلاله على كل القطاعات، بينما كنا قبل العدوى نقر بإخفاقات النموذج التنموي ونضع منسوب الحريات موضع تساؤلات، وارتفاع للمديونية وضعف الاستهلاك داخل الأسر، وتعثر المنظومة التعليمية وغياب للمنظومة الصحية، وما جرى لاحقا عرى هشاشة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية".
وبناء على رأي الخبير السياسي المصطفى منار، فإن البحث عن مخرج يعني الانخراط في نقاشات حول السياسات العمومية الخاصة بالمرحلة المقبلة، مع ما يستلزم ذلك من إطلاق نقاشات أكاديمية على مستويات متعددة، وإن كان من بين المخارج الأساسية تقوية دور الدولة السيادي حتى يحضر في جميع المجالات بارتباط مع إشراك المواطن في اتخاذ القرار".
الأستاذ الباحث أوصى كذلك بإيلاء أهمية أكبر للقطاع العمومي بعدما تدارك الاختلالات في أوج الجائحة وبصم على حضور أوفر من القطاع الخاص، ونصح أيضا بربط البحث العلمي بالقرار السياسي والاقتصادي والمالي والاجتماعي، مع رفع الميزانية الخاصة به، كما دعا إلى تقوية الاستثمار الوطني وترشيد نفقات التسيير، وتشجيع الاستثمار الخارجي على أساس أن يكون في مصلحة البلاد، ثم مساندة المقاولات الصغرى والمتوسطة المتضررة من حالة الطوارئ الصحية، والاهتمام بالقطاعات الاقتصادية التقليدية في المغرب.
"نحتاج تقوية التماسك الاجتماعي وتقليل الفوارق الطبقية، والاهتمام بالطبقة الوسطى أكثر، والركون إلى السجل الاجتماعي الموحد للحصول على إحصائيات مضبوطة بخصوص الفقراء المحتاجين لدعم الدولة، واستحضار منافع الرقمنة والاقتصاد المعرفي، كما ينبغي إقرار قانون مالي تعديلي بشكل مستعجل، لأن ذلك على الأقل سيعطي الشرعية للإطارات القانونية على مستوى الموارد المالية، وبمقدور هذا أن يوفر معطيات دقيقة جدا تفيدنا في تجاوز الخلل على مستوى النفقات"، يختم الدكتور المصطفى منار.
reaction:

تعليقات